محمد عبد العزيز الخولي
111
الأدب النبوي
مرات ، وإنما علت منزلتها منزلته مع أنهما شريكان في تربية الولد هذا بماله ورعايته ؛ وهذه بخدمته في طعامه وشرابه ، ولباسه وفراشه و . . . إلخ . لأن الأم عانت في سبيله ما لم يعانه الأب ، فحملته تسعة أشهر وهنا على وهن ، وضعفا إلى ضعف ؛ ووضعته كرها ؛ يكاد يخطفها الموت من هول ما تقاسي ، ولكم كان بدء الحياة لوليد نهايتها الأم رؤم « 1 » ، وكذلك أرضعته سنتين ، ساهرة على راحته ، عاملة لمصلحته وإن برحت بها في سبيل ذلك الآلام وبذلك نطق الوحي : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً « 2 » ، فتراه وصّى الإنسان بالإحسان إلي والديه ؛ ولم يذكر من الأسباب إلا ما تعانيه الأم إشارة إلى عظم حقها . ومن حسن المصاحبة للأبوين الإنفاق عليهما طعاما وشرابا ، ومسكنا ولباسا ؛ وما إلى ذلك من حاجات المعيشة ، إن كانا محتاجين . بل إن كانا في عيشة دنيا أو وسطى ؛ وكنت في عيشة ناعمة راضية فارفعهما إلى درجتك أو زد . فإن ذلك من الإحسان في الصحبة . واذكر ما صنع يوسف مع أبويه وقد أوتي الملك إذ رفعهما على العرش بعد أن جاء بهما من البدو . ومن حسن الصحبة بل جماع أمورها ما ذكره اللّه بقوله : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً . وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً « 3 » فامنع عنهما لسان البذاءة « 4 » ، ولو بالهنات « 5 » الصغيرة . وجنبهما أنواع الأذى . وألن لهما قولك ؛ واخفض لهما جناحك ؛ وذلل لطاعتهما نفسك ؛ وأذك في روحك العطف عليهما ؛ والرحمة بهما . ورطّب لسانك بالدعاء لهما من خالص قلبك وقرارة نفسك وقل : ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا ، ولا تنس زيادة العناية بالأم ، عملا بإشارة الوحي ؛ ومسايرة لمنطق الحديث .
--> ( 1 ) رؤوم : رئمت الأنثى ولدها : أحبته وعطفت عليه ولزمته فهي رؤوم . ( 2 ) سورة الأحقاف ، الآية : 15 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآيتان : 23 ، 24 . ( 4 ) البذاءة : بذأ : فحش قوله . ( 5 ) الهنات : ج الهن : كناية عن شيء يستقبح ذكره لصغره .